محليدولي

أستاذ العلاقات الدولية والفكر السياسي سيبا نزاتيولا جروفوجوي يؤكد : عنصرية الغرب أدت إلى التدخل في ليبيا

أكد أستاذ العلاقات الدولية والفكر السياسي بمركز الدراسات والبحوث الأفريقية بجامعة كورنيل الأمريكية، سيبا نزاتيولا جروفوجوي أن العنصرية كانت محور المداولات الغربية التي أدت إلى التدخل في ليبيا.
واضاف إن العقلية الاستعمارية القائمة على العرق، والتي تنظر إلى قارة إفريقيا على أنها ملعب لأوروبا وترفض مخاوف الأفارقة، تستمر في تغذية الموت والدمار .
وأوضح، في مقال له بمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، طالعته وترجمته “أوج”، أن الشعب الأمريكي إذا كان مُدركًا أن الولايات المتحدة تدخلت في ليبيا، فإن هذا الوعي ينبع من حادثة بنغازي، التي استخدمها الجمهوريين في الكونجرس كعصا ضد هيلاري كلينتون قبل وأثناء حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016م.
وأضاف أن العرق لعب دورًا مُزدوجًا في التدخل الليبي، حيث شكّل أولاً، تصورات حول ما هو مسموح به ومن يمكنه التوسط في ليبيا بطريقة شائعة في العلاقات الدولية اليوم، وثانيًا، كان العرق أحد العوامل التي سمحت بتهميش القادة الأفارقة والمفكرين الأفارقة والحكومات غير الغربية عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات بشأن السعي وراء السلام أو شن الحرب.
وأعرب عن رأيه بأن الفوضى التي تجتاح ليبيا اليوم تبرر وجهة النظر الأفريقية بأن محادثات السلام الشاملة والانتقال الدستوري كانا أفضل من شن حرب شاملة كانت نهايتها غير متوقعة.
وسلط الضوء على كيفية فهم تشكيل العرق لوجهات نظر صانعي السياسة الخارجية خلال أزمة ليبيا، قائلاً إن المرء عليه فقط أن يلاحظ ثابتين في الخطاب حول التدخل النهائي، الأول هو المحو النشط لأفريقيا والمتخصصين الأفارقة من المداولات التي أدت إلى الغزو، والثاني هو التفسير المقدم لهذا الاستهزاء الظاهر، وهو أنه لا يمكن الوثوق بالقادة الأفارقة وغيرهم بأنهم محايدون تجاه القائد الشهيد معمر القذافي، بسبب هباته لهم وتأثيره على الشعوب الأفريقية، مُضيفًا: “لم يتوقف القادة الغربيون أبدًا عن التفكير في أنه ربما يكون لدى جيران ليبيا المباشرين والقادة الذين عرفوا القذافي لعقود ما يقدمونه”.
وأكد أن انعدام الثقة هذا في إفريقيا أدى إلى تفضيل فرنسا ودول غربية أخرى لتغيير النظام في ليبيا لتهميش إفريقيا تمامًا، وقد تم تقديم هذا التهميش في الصحافة على أنه “فقدان إفريقيا للنفوذ” بينما تم اتخاذ قرارات في اسطنبول وموسكو وبرلين.
وأضاف أن فرنسا وحلفاءها الغربيين والعرب قاموا بتهميش إفريقيا عن عمد من خلال منع الاتحاد الأفريقي والوسطاء المقترحين وغيرهم من الأفارقة البارزين، رؤساء دول أم لا، من لعب أي دور مهم في التوسط في الانتقال الليبي الذي يفترض أن يطلبه العرب، والذي من شأنه أن يؤدي بطريقة ما إلى الحكم الديمقراطي.
واشار إلى أن رئيس جمهورية الكونغو، دينيس ساسو نغيسو، مسؤول الاتحاد الأفريقي بشأن ليبيا، كاد أن يُحذف من قائمة المدعوين في قمة برلين بشأن ليبيا في آي النار/يناير، وأن الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني قال لـ”بي بي سي” إن دعوة ساسو نغيسو كانت مجرد “رمزية لإظهار أن إفريقيا متورطة أيضًا”.
وأكد أن تهميش إفريقيا حدث بالتزامن مع تعريب الصراع الليبي عندما مُنحت جامعة الدول العربية، وليس الاتحاد الأفريقي، دورًا رئيسيًا في حل النزاع بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973م، الذي تم تبنيه في 17 الربيع/مارس 2011م، حيث أعطى ذلك القرار الأولوية لجامعة الدول العربية في الأمور المتعلقة بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين في المنطقة”، وتنفيذ منطقة حظر الطيران، والأمر للجيش الليبي بعد ذلك بعدم تحليق الطائرات الحربية باتجاه بنغازي.
ورأى أن الأفراد الذين ظهروا كمؤثرين ومستشارين لصانعي القرار والمتحدثين باسم الليبيين والمجتمع الدولي لم يشملوا الأفارقة، قائلا: “كان مجرد الفصل الأخير فيما أطلق عليه (عبء الرجل الأبيض) عقلية استعمارية اعتبرت إفريقيا مكانًا لأوروبا لتتصرف وفقًا لرغباتها”.
واستطرد: “في الواقع، من مؤتمر برلين 1884م-1985م، إلى مؤتمر برازافيل عام 1944م، إلى التدخل الليبي 2011م، وجدت أوروبا الراحة والمبرر في تقرير مصير إفريقيا دون استشارة الأفارقة، وبدلاً من الأفارقة أنفسهم، اعتمدت أوروبا منذ فترة طويلة على نصيحة ما يسمى بالمنظمات الإنسانية وأصحاب المشاريع الاستعمارية مثل هنري مورتون ستانلي، الذي كان المستشار الرئيسي بشأن الكونغو للملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا”.

وأعرب عن اعتقاده، أن التدخل في ليبيا يظهر أن القليل قد تغير، حيث اختار الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، برنار هنري ليفي مستشارا رئيسيا له بشأن ليبيا، موضحا اختيار ساركوزي المتخصص غير الأفريقي لم يكن مفاجأة، وأنه بعد كل شيء، في 27 ناصر/يوليو 2007م، ألقى ساركوزي خطابًا في جامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار، السنغال، أعلن فيه أن “مأساة إفريقيا هي أن الأفريقي لم يدخل التاريخ بالكامل”.
وبين أن ليفي، في التقليد الاستعماري المتمثل في تصوير الرجل الأبيض على أنه المنقذ، نال الفضل في سقوط الرئيس القذافي، ولتعزيز المسؤولية التي أقرتها الأمم المتحدة لحماية ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مذكرًا برواية ليفي عن دوره بإحدى روايات لورنس العرب، وهو كولونيل بريطاني ظهر كمستشار ولعب دورًا مركزيًا في الثورة العربية عام 1918م، ضد العثمانيين، حيث تم تجميع هذا الحساب في فيلم وثائقي من تأليف وإخراج وإنتاج ليفي نفسه تحت عنوان قسم طبرق.

وأوضح أن إنهاء الاستعمار فتح مساحة للأفارقة لصياغة وجهات نظرهم الخاصة حول الأخلاق الدولية، بما في ذلك الحق في تقرير المصير والمواطنة العالمية والمصالحة كوسيلة لصنع السلام، قائلا إنه يمكن استخلاص المقاربات الإفريقية الراسخة تجاه هذه القضايا من المناقشات والقرارات والمناقشات في إفريقيا ما بعد الاستعمار الممتد من أزمة الكونغو عام 1960م، إلى حروب الاستقلال في الجزائر والمستعمرات البرتغالية السابقة، إلى الحجج التي قدمتها دول المواجهة الإفريقية في مواجهة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وأكد أن الشكوك الأساسية تجاه القادة الأفارقة عميقة، لافتا إلى أنه قبل غزو العراق، سأله صحفي أمريكي خلال مقابلة إذاعية عما إذا كان القادة الأفارقة المعتمدون سياسياً للبلدان المعتمدة مالياً في الكاميرون وأنجولا وغينيا سيستجيبون لمطلب كولن باول بدعم الموقف الأمريكي ضد صدام حسين في الأمم المتحدة، حيث فوجئ المراسل بإجابته المختصرة، التي كانت لا.
وبين أن تعنت القادة والنخب الأفارقة مع بعض الاستثناءات بشأن مسائل الصراع وحل النزاعات يحير المراقبين فقط الذين لا يدركون التصريحات شبه القانونية، والأعمال الرمزية والإيماءات المذهلة من أمثال نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، باتريس لومومبا في الكونغو، وأميلكار كابرال في غينيا بيساو، من بين آخرين، مضيفا “حتى لو كان ذلك فقط في محاولات ساخرة للاحتفاظ بالسلطة والشرعية، فإن قلة من القادة الأفارقة قد يختلفون علنًا مع أو يؤيدون سياسة يبدو أنها تنتهك الحقيقة الأساسية في خطاب مانديلا الشهير أثناء محاكمته عام 1964م”.
وتطرق إلى ما أعلنه مانديلا من وجهة نظر يفهمها التقدميون في إفريقيا اليوم كمبدأ أخلاقي، وهي الوقوف دفاعًا عن جميع الأرواح، بما في ذلك حياة المضطهدين، حيث قال: “خلال حياتي، كرست نفسي لهذا النضال للشعب الأفريقي، لقد قاتلت ضد هيمنة البيض، وحاربت هيمنة السود”.

وأشار إلى أن مانديلا أعلن للقاضي الذي سيحكم عليه بالسجن المؤبد حتى إطلاق سراحه بعد حوالي 27 عامًا: “لقد كنت أعتز بالمثل الأعلى لمجتمع ديمقراطي وحر يعيش فيه جميع الأشخاص معًا في وئام وفي ظل تكافؤ الفرص، إنه مثال آمل أن أعيش من أجله وأن أحققه، ولكن إذا لزم الأمر، فهو مثالي وأنا مستعد للموت من أجله”.
ولفت إلى أن كابرال تبنى إعلان مانديلا باعتباره عقيدته الخاصة فيما يتعلق بالمستعمرين البرتغاليين في إفريقيا، الذين دافع عن حقهم في المواطنة الكاملة في إفريقيا ما بعد الاستعمار، لافتا إلى أن الأمثلة كثيرة في أماكن أخرى عبر القارة.
وذكر أن رئيس جنوب إفريقيا آنذاك جاكوب زوما، عندما سافر إلى طرابلس في عام 2011م، للتفاوض على حل دبلوماسي شامل، شكك الإعلام الغربي وصناع القرار في دوافعه، في حين أن زوما ليس بطلاً وقد كشفت فترة رئاسته عن العديد من أوجه القصور الأخلاقية والمعنوية، بحسب قوله،لافتا إلى أن سياسته تجاه ليبيا كانت قائمة على مبادئ مانديلا.
ونوه بأن الحل الذي اقترحه زوما، كان مبنيًا على فكرة أن مسؤولية الحماية تنطبق على الجميع، تمامًا كما تصور المؤتمر الوطني الأفريقي برئاسة مانديلا وزوما منذ فترة طويلة الحماية الشاملة فيما يتعلق بالبيض في جنوب إفريقيا، بدلاً من سيطرة المنتصرين، حيث تخيل زوما أنه من الممكن إنهاء نظام الرئيس القذافي بينما يطالب أطفاله وعائلته وعشيرته أن يكونوا محميين ضد هجوم وشيك من قبل خصومهم.
وتابع بأنه دون عناء البحث عن المبادئ الأخلاقية الكامنة وراء مقترحات زوما، فقد ألقى العديد من النقاد ببساطة الشكوك حول دوافعه، وانتقده آخرون، بمن فيهم دعاة حقوق الإنسان، لافتقاره إلى الوضوح الأخلاقي والحسم السياسي، في المقابل، روجوا لسياسة كان من الممكن أن تكون لعنة على مبدأ خطاب محاكمة مانديلا، وهي حرب شاملة خاطرت بالإبادة الجسدية والمعنوية لعشيرة القذافي بأكملها، من قبل أشخاص يفترض أنهم قديسون، وهم أولئك الذين يعارضونه.
وأوضح أنه تم الاستيلاء على الحرب الشاملة غير المُعلنة من قبل العديد من الفصائل والميليشيات السياسية الليبية التي تواصل شنها اليوم في صراعاتها على السلطة والأرض والموارد، وأصبح الآن ثمن تجاهل الوضوح الأخلاقي والحسم السياسي الذي تفتقر إليه إفريقيا واضحًا، حيث تعيش ليبيا مع العواقب بعد ما يقرب من عقد من الزمان، دون أي نهاية تلوح في الأفق، وقد أصبحت تكلفة تجاهل الوضوح الأخلاقي والحسم السياسي الذي افتقدته إفريقيا واضحة الآن.
وأعرب عن أسفه أن ليبيا تعيش مع العواقب بعد ما يقرب من عقد من الزمان، دون نهاية في الأفق، قائلا إن الفوضى التي أعقبت ذلك وفرت مرة أخرى الصور النمطية العنصرية للحياة على “ساحل البربري”، مدفوعة بالاقتتال الأفريقي والعربي والبربر المتخيل، حيث يسود النص الضمني العنصري في التقارير عن البلاد، على الرغم من حقيقة أن فرنسا وتركيا ودول الخليج العربي هم الرعاة الأساسيين للقوات المقاتلة على الأرض، بحسب تأكيده.
وأضاف: “في السياق الليبي، بدا الأمر أشبه باللعنة التي ألقت تعويذتها على التحالف الغربي العربي في ليبيا، مما أفسد الفكر والسياسة، لعنة العرق تاريخ طويل، من وقت الاستعباد إلى عصر ما بعد الاستعمار، تعمل تعويذتها كالسحر، وهم يتم تنظيمه لجمهور ينتظر الإيمان أو الترفيه، ومع ذلك، كما تثبت ليبيا، فإن التعويذة لها رائحة كريهة: الغفلة والدمار”.
وتابع “كما أنه يعيق الفكر المتماسك ويؤيد المعتقدات المهينة والبالية، بما في ذلك فكرة الانتداب الأوروبي الدائم على إفريقيا، وهذا مرتبط بالانطباع الخاطئ بأن أوروبا لها ما يبررها دائمًا في تلك الوصاية؛ أن القوة العسكرية والسياسية تمنح العقل؛ أن البر الذاتي يوفر بالضرورة الحكمة؛ وأن أفريقيا لا تمتلك أنظمة أخلاقية وقابلة للتطبيق ومعقولة”.
واختتم: “هذه لعنة العرق، والنبأ السار هو أنه، مثل كل لعنة، يمكن تبديدها أيضًا، هذا متروك لمن هم في مخاضه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق