تقارير

في الذكرى 109 لنفي الاستعمار الإيطالي للأجداد تتجسد معاني ليبيا الكرامة والإعزاز وليبيا المهانة والإذلال

 

تحل اليوم الذكرى 109 لنفي إيطاليا أكثر من 5000 ليبي إلى جزر الجنوب الإيطالي على أيدي قوات الغزو الاستعماري الفاشتي بعد أسابيع من نزولها إلى شاطيء طرابلس وتصدي المقاومة الليبية لها في معركة الشط والهاني في 23 و26 من أكتوبر العام 1911.

المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، أكد أن الليبيين الذين أخذوا قسرا من بلادهم نفوا إلى جزر، معظمها مهجورة شبه خالية من السكان، استخدمت كسجون من أبرزها جزر،تريميتي، وبونزا، واوستيكا.

وتشير المصادر إلى أن أولى عمليات النفي جاءت بعد برقية بالخصوص وجهها رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك جولييتي إلى الجنرال كانيغا الذي قاد عمليات القتل في طرابلس يقول نص البرقية:

«ت 27979 ـ روما ـ 24 أكتوبر 1911ـ الساعة 16.45: من برقيتك لم يكن واضحا كيف يتطور القتال الذي كلف خسارة الضباط والجنود الذين ذكرتهم أنه من الضروري لنا أن نحصل على معلومات دقيقة وكاملة لمنع انتشار الأخبار الخاطئة في إيطاليا وفي الخارج حيث يمكن اعتبارها هزيمة لنا وهو الواقع الذي ينزع الثقة منا.. بالنسبة للمتمردين المعتقلين يجب ألا ينفذ إعدامهم هناك سأرسلهم إلى جزيرتي تريميتي في البحر الإدرياتيكي مع أولئك الموجودين تحت الإقامة الجبرية يمكن توجيههم إلى هناك مباشرة مع إعلامي بمغادرتهم وأن جزيرة تريميتي تستطيع استقبال 400 سجين إني مرسل إلى هناك مفتشا من الأمن العام لإعداد إقامتهم».

ثم يضيف جوليتي برقية لاحقة يأمر فيها كانيغا بإرسال أي عدد من الليبيين: «مستعجل إلى سعادة الجنرال كانيغا القائد العام بطرابلس أعتقد أنه من الأحسن الإضافة إلى برقيتي أنه بالإمكان وضع أي عدد من العرب حتى وإن كان يبلغ عشرات الآلاف في جزر تريميتي وقافينيانا وأوستيكا وفنينونتيبي وغيرها».

وبدأت عملية النفي للفوج ﺍﻷﻭﻝ الذي وصل عدده إلى 594 من الأجداد الليبيين، ﺇﻟﻰ ﺟﺰﺭ ﺇﻳﻄﺎﻟﻴﺎ ﺍﻟﻨﺎﺋﻴﺔ، ﻳﻮﻡ 26 ﺃﻛﺘﻮﺑﺮ ﻣﻦ ﻋﺎﻡ 1911 ﻭﺍﺳﺘﻤﺮﺕ ﺇﻟﻰ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ .

وفي ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺍﺳﺘﺄﻧﻔﺖ ﺇﻳﻄﺎﻟﻴﺎ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﻴﻦ ﺑﺪءًﺍ ﻣﻦ ﻫﺰﻳﻤﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﺒﻬﺎ ﻭﺍﻟﻘﺮﺿﺎﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺧﺮﻳﻒ 1914 ﻭﺭﺑﻴﻊ 1915 ، ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺘﻬﺎﺀ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ 1932، أما ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ فكانت ﻣﺘﻤﻤﺔ ﻟﻠﻤﺮﺣﻠﺘﻴﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺘﻴﻦ حيث ﺒﺪﺃﺕ ﻣﻦ إﻧﺘﻬﺎﺀ ﻣﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ 1932، ﻭﺍﺳﺘﻤﺮﺕ ﺇﻟﻰ 1943.

وكان الهدف من عمليات النفي الممنهج التي لم ترحم نساء أو رجالا أو أطفالا أو كهولا من الليبيين، هو القضاء على حركة الجهاد، من خلال تفريغ الأرض الليبية من السكان، وبالتالي فقدان حركة الجهاد للعنصر البشري المحارب، حيث كان كان العلماء والمشائخ ، وقادة المجاهدين ، والشباب والرجال القادرين من ضمن العناصر التي نفيت .

كما سعت إيطاليا إلى إفراغ الأرض العربية الليبية من السكان الأصليين، فالقتل والمعتقلات والنفي وسائل تسهل على إيطاليا القضاء على السكان الليبيين، وإحلال مستوطنين من إيطاليا محلهم، ولهذا ضمت قوائم المنفيين النساء والرجال والشيوخ والأطفال على مختلف أعمارهم من الرضيع الذي لم يتجاوز عمره أيام، إلى الشيخ الطاعن في السن الذي تجاوز التسعين عاماً .

وهدفت إيطاليا أيضا للقضاء على الدين الإسلامي بالقضاء على معتنقيه، وتحويل ليبيا إلى شاطئ رابع لإيطاليا المسيحية.

إن مرحلة زمنية تصل إلى ما يزيد عن ثلاثة عقود من الممارسة المستمرة للنفي، والأبعاد ، والقتل الجماعي، والتشريد وتفريغ الأرض من أبنائها، كجزء من الممارسات القمعية البربرية التي ارتكبتها سلطة الغزو الإيطالي ضد الليبيين، لم تعرف الإنسانية نظيراً لها في التاريخ البشري، راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب العربي الليبي المسلم، حيث تعرضوا لمعاملة غاية في القسوة، بدءا من إلقاء القبض عليهم وحجزهم في أماكن تحت الأرض، إلى نفيهم في سفن غير معدة للبشر، ثم تركهم يصارعون المرض ، وسوء التغذية دون أية عناية أو إشراف صحي ، فمات أغلبهم من أمراض البرد ، والسل الرئوي والكوليرا، وذهبوا إلى مصير مجهول لا نعرف إلى الآن كم عددهم تحديدا، ولا ظروف نفيهم، أو المعاملة التي تعرضوا لها، كما لا يعرف ظروف وفاة من مات منهم، وتحديد أماكن وفاتهم ، كما لا يعرف عدد الأحياء منهم وأسرهم ، إن كانوا قد تزوجوا وتركوا أبناء .

يفترض أن تظل قضية المنفيين حية في ضمير وذاكرة الليبيين، ودين في أعناقهم جميعا رجالا ونساء، ولكن المسؤولين الليبيين اليوم نسوا هذا التاريخ من التضحيات ليعيدوا المستعمر إلى ليبيا من جديد.

ليبيا منذ تسع سنوات كانت تهتم بإحياء هذه الذكرى في كل ربوعها، وكانت تعد طقوسا وإجراءات ملزمة تذكر بهذا اليوم الحزين، حيث كان يُعلن في مثل هذا اليوم الحداد رسميا حزنا على أجدادنا المنفيين في أرض الاستعمار، وتنفيذا لذلك قامت اللجنة الشعبية العامة في عهد الزعيم الراحل معمر القذافي بتكليف أمناء اللجان الشعبية العامة للقطاعات، وأمناء اللجان الشعبية والإدارية للهيآت والمؤسسات والشركات العامة، باتخاذ التدابير اللازمة تنفيذاً لقرار الحداد.

ومن بين الإجراءات التي كانت تقوم بها ليبيا تخليدا لذكرى آباءنا المنفيين، توقف حركة السير في مدن وقرى ليبيا عند منتصف اليوم لمدة 5 دقائق، على أن يقوم الليبيون الموجودين في إيطاليا في الوقت نفسه بزيارة مقابر المنفيين في الجنوب الإيطالي والترحم على أرواحهم الطاهرة.

وعملت ليبيا بقيادة الزعيم الراحل معمر القذافي على غرس روح الاحترام والوفاء للآباء المنفيين، حيث تم تخصيص الحصة الأولى بالمؤسسات التعليمية للحديث عن هذا الموضوع ومضامينه وتطوراته التي انتهت بإبرام معاهدة الصداقة والشراكة مع إيطاليا.

ولم يغفل المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية عقد ندوة حول الموضوع المتعلق بنفي الآباء وإبعادهم عن أرضهم وأهلهم وحجم المعاناة التي تعرضوا لها لدى وصولهم إلى الجزر الإيطالية منذ عام 1911 والأماكن التي حشروا فيها والتي لا تصلح لحياة الإنسان، بالاضافة الى عرض صور السجون التي زجوا بها والمعاملة اللا إنسانية التي تعرضوا لها في هذه الجزر والمراسلات بينهم وبين أهلهم في ليبيا.

خطوات من شأنها أن تذكر كل ليبي بحجم المعاناة من المستعمر، والتضحيات التي قدمها الأجداد في سبيل استقلال البلاد وحريتها.. ولكن كل ذلك اندثر اليوم مع الساسة الليبيون الذي يترجون المستعمرين على اختلافهم بالقدوم لليبيا بذرائع مختلفة.

إيطاليا في عهد الزعيم الراحل معمر القذافي اعتذرت عن جرائمها في حق ليبيا وأعربت في معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة مع ليبيا في 2008، عن إرادتها في مواصلة التعاون في البحث بشأن المواطنين الليبيين المنفيين قسراً من ليبيا خلال حقبة الاستعمار.

كما تقضي الاتفاقية التي أجبر الراحل البطل معمر القذافي إيطاليا عليها، بدفع تعويضات عن الحقبة الاستعمارية لليبيا قدرت بـخمسة مليارات من الدولارات، على مدى السنوات 25 تعويضا عن الفترة الاستعمارية تشمل تنفيذ الطريق الساحلي الممتد من غرب ليبيا إلى شرقها، ومشاريع إعمارية أخرى مع إعراب الحكومة الإيطالية عن «أسفها للآلام التي سببها الاستعمار الإيطالي للشعب الليبي».

وحينها أعلن رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلوسكوني خلال زيارة ليبيا، أن بلاده ستدفع أن هذا الأمر هو «اعتراف أخلاقي بالأضرار التي لحقت بليبيا على من قبل ايطاليا خلال فترة الحكم الاستعماري».

حتى آخر يوم في عمر القائد الوفي معمر القذافي، كان حريصا على حقوق الليبيين، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وأجبر إيطاليا على الاعتذار، ودفع تعويضات جاءت على هيئة اتفاق يتضمن استثمار 200 مليون دولار سنويا على مدى 25 سنة من خلال تنفيذ مشروعات استثمارية في ليبيا، وفقا لما قاله برلسكوني آنذاك.

وهكذا كانت ليبيا القذافي.. ليبيا الأمان.. ليبيا الكرامة، ولكن ليبيا اليوم هي ليبيا الذل والمهانة وجلب المستعمر، حيث قال رئيس المجلس الرئاسي غير الشرعي في زيارة له لإيطاليا في مثل هذا اليوم في 2018، أن ليبيا وايطاليا وقعتا إعلانا مشتركا عام 1998 يتضمن البحث عن مصير المنفيين الليبيين، وقد أبدت ايطاليا تفهمها واهتمامها بهذا المطلب، وسنعمل سوياً مع الأصدقاء الايطاليين من أجل إجلاء الغموض الذي يحيط بهذه القضية.

هذا هو الفرق بين القذافي وليبيا الكرامة والإعزاز وبين ليبيا الذل والمهانة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق