محلي

في العيد الحادي والخمسين.. إرهاصات ثورة الفاتح العظيمة تُذكر الليبيين بمسيرة 4000 يوم من العمل السري

أوج – القاهرة
يحل هذه الأيام العيد الحادي والخمسين لثورة الفاتح العظيم التي أطلق شرارتها القائد الشهيد معمر القذافي؛ لتخليص البلاد من طغيان الملكية والارتهان للخارج، حتى تم إعلان الجمهورية العربية الليبية، وإجلاء القوات والقواعد الأجنبية وإرساء قاعدة جديدة في العلاقات الدولية قائمة على الندية والمنافع المتبادلة.

“ما أشبه الليلة بالبارحة”.. مقولة تنطبق على الأوضاع التي شهدتها ليبيا قبل ثورة الفاتح العظيم وما تشهده حاليًا من فساد وانقسام وسوء أوضاع معيشية؛ نتيجة الضعف السياسي والاقتصادي؛ حتى أوشكت البلاد على إعادة القواعد الأجنبية التي أطاحت بها “الثورة البيضاء” عام 1969م على يد الضباط الوحودويين، لكنها اليوم في ثوب تركي قطري.

إرهاصات الثورة

وبالعودة إلى الإرهاصات الأولية لثورة الفاتح العظيم، حسبما وثقها ونقلها شهود عيان عاصروها؛ فقد بدأ القائد الشهيد بجمع عناصر الثورة في مدينة سبها، وتكونت أول لجنة قيادية في مدرستها الثانوية، وبمرور الأيام ازداد عدد المشاركين من المدنيين والعسكريين لانطلاق الثورة التي استمر الترتيب لها 4000 يوم من العمل السري.

وفي الخامس من التمور/ أكتوبر عام 1961م، سـارت أول مظاهرة وحدوية في سبها بقيادة الشهيد معمر القذافي، مطالبة بالوحدة العربية مع الجمهورية العربية بزعامة جمال عبدالناصر، ثم تطور الأمر ونددت الجماهير بالحكم الملكي في ليبيا آنذاك، فعملت السلطة على حرمان قائد الثورة من الدراسة في مدارس سبها.

وفي عام 1963م، انتقل القائد إلى مصراتة للدراسة في الكلية العسكرية، والتحقت به كل المجموعات الثورية، ومن ضمنهم بعض أفراد الخلية الأولى، وفي عام 1964م، تقرر إعادة تنظيم الحركة الثورية إلى عسكرية ومدنية، وعقدت اللجنة المركزية أولى اجتماعاتها في مدينة طلميثة الواقعة على ساحل البحر المتوسط والتي تبعد بحوالي 110 كيلو متر عن بنغازي.

وفي آي النار/يناير عام 1969م، أصدر القائد الشهيد المنشور السري الأول في معسكر قار يونس بمدينة بنغازي، لاختبار قدرة الضباط الأحرار على السيطرة على جميع وحدات القوات المسلحة، وأن يقوموا بعملية مسح للقوات والأفراد والذخيرة الواجب توفرها لتفجير الثورة.

ووفقا لشهود العيان الذين عاصروا الثورة العظيمة، تم تحديد يوم 24 الربيع/ مارس 1969م ليكون موعدا لانطلاق الثورة، إلا أن سـفر الملك محمد إدريس السنوسي المفاجئ إلى مقر إقامته في طبرق، دفع قيادة الثورة إلى تغيير خططهم وتأجيل الموعد إلى أجل غير مسمى.

وقررت اللجنة المركزية لحركة الضباط الوحدويين تفجير الثورة في 13 هانبيال/ أغسطس 1969م، باعتقال جميع الضباط من ذوي الرتب الكبيرة، لكن تقرر تأجيل التنفيذ إلى موعد آخر، بسبب عدم قدرة ضباط طرابلس على معرفة الصورة واضحة في مثل ذلك الوقت القصير، وحدد الأول من الفاتح/ سبتمبر من العام نفسه، لتفجير الثورة.

واقتضت الخطة آنذاك، الاستيلاء على الإذاعة وعلى معسكرات الجيش والقوة المتحركة ومحاصرة القواعد الأجنبية الجاثمة فوق الأرض الليبية والقبض على كبار المسؤولين السابقين من العهد المباد والسيطرة على بقية المدن المهمة، وأعطيت كلمة السر لتفجير الثورة (القدس)، وعينت ساعة الصفر في صبيحة الأول من الفاتح/ سبتمبر 1969م.

يوم الانتصار واسترداد الكرامة

زحف عدد من الضباط الوحدويين، بقيادة الشهيد الخويلدي محمد الحميدي، إلى مدينة بنغازي للسيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة القصر الملكي، وسارع ولي العهد وممثل الملك بالتنازل عن الحكم، حيث كان الملك إدريس السنوسي خارج البلاد في رحلة لتلقي العلاج بتركيا، وهكذا، تمت بنجاح السيطرة على البلاد كافة، وانتصرت الثورة وأذاع القائد أول بيان لها على الشعب، قائلا:أيها الشعب الليبي العظيم:

تنفيذا لإرادتك الحرة وتحقيقا لأمانيك الغالية، واستجابة الى ندائك المتكرر الذي يطالب بالتغيير والتطهير، والبحث على العمل والتحريض على الثورة، قامت قواتك المسلحة بالإطاحة بالنظام الرجعي المتخلف المتعفن الذي أزكمت رائحته النتنة الأنوف، واقشعرت من رؤيتة الأبدان، وبضربة واحدة من جيشك البطل تهاوت الأصنام وتحطمت الأوثان فانقشع في لحظة واحدة من لحظات القدر الرهيبة ظلام العصور، من حكم الأتراك إلى جور الطليان إلى عهد الرجعية والرشوة والوساطة والمحسوبية والخيانة والغدر، وهكذا منذ الآن تعتبر ليبيا جمهورية حرة ذات سيادة تحت اسم (الجمهورية العربية الليبية)، صاعدة، بعون الله إلى العمل إلى العلا، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية، كافلة لأبنائها حق المساواة، فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف، لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم ولا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه _ إن شاء الله_ راية الرخاء والمساواة، فهاتوا أيديكم، وافتحوا قلوبكم، وانسوا أحقادكم وقفوا صفا واحدا ضد عدو الأمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا.

وهكذا سنبني مجدًا ونُحيي تراثًا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب، يا من شهدتم لعمر المختار جهادًا مُقدسا من أجل ليبيا والعروبة والإسلام، ويا من قاتلتم مع أحمد الشريف قتالا حقا، يا أبناء البادية، يا أبناء الصحراء يا أبناء المدن العريقة، يا أبناء الأرياف الطاهرة، يا أبناء القرى، قرانا الجميلة الحبيبة، ها قد دقت ساعة العمل، فإلى الأمام، وإنه يسرنا في هذه اللحظة أن نطمئن إخواننا الأجانب بأن ممتلكاتهم وأرواحهم سوف تكون في حماية القوات المسلحة، وأن هذا العمل غير موجهة ضد أي دولة أجنبية أو معاهدات دولية أو قانون دولي معترف به وإنما هو عمل داخلي بحت يخص ليبيا ومشاكلها المزمنة، وإلى الأمام والسلام عليكم ورحمة الله.

ونجح القائد الشهيد معمر القذافي في قيادة الثورة البيضاء التي رفعت شعارات “الحرية، الاشتراكية، الوحدة”، وأسسوا مجلسا لقيادتها مكونا من اثنا عشر ضابطا، على رأسهم القائد، لتسيير أمور البلد والقبض على الموالين للملك وعلى كبار الضباط من رتبة رائد فما فوق.

وفي عام 1979م، استقال القائد الشهيد من جميع مواقعه الرسمية وتفرغ لقيادة الثورة، وبدأ مجلس قيادة الثورة تثبيت الشرعية لنظامهم واستكمال المفاوضات التي بدأت قبل 10 سنوات مع الولايات المتحدة الأمريكية للجلاء عن قاعدة الملاخة (هويل)، والتي تغير اسمها إلى (قاعدة عقبة بن نافع)، كما أجروا مفاوضات مع بريطانيا للجلاء عن قواعدها في بنغازي والعدم وطبرق.

بالوثائق دور القائد الشهيد في إجلاء القوات والقواعد الأمريكية وانتقام الأمريكان في 2011

مجلس قيادة الثورة

تكوّن مجلس قيادة الثورة الليبية ذلك الجسم الذي قاد ثورة الفاتح من سبتمبر 1969م، معلنا الجمهورية العربية الليبية وحكمها رسميا ما بين عامي 1969 و1977م، من 12 شخصا جميعهم عسكريين؛ وترأسه القائد الشهيد معمر القذافي.

الرائد عبد السلام جلود.. من مواليد 15 الكانون/ ديسمبر 1944م ينتمي إلى قبيلة المقارحة، واعتبر الرجل الثاني في ليبيا بعد القائد الشهيد معمر القذافي حيث تولى العديد من المهام في الفترة من 1969 وحتى 1992م.

 

النقيب الشهيد مصطفى الخروبي.. من مواليد عام 1939م، وهو عضو مجلس قيادة الثورة الليبية وأحد رفاق القائد؛ حيث تعرف عليه في الكلية العسكرية ببنغازي، وشارك في تأسيس حركة الضباط الوحدويين الأحرار التي تأسست في مدينة سبها عام 1961م، وكان من ضمن الضباط الذين سيطروا على مبنى الإذاعة في بنغازي، وكان برتبة ملازم، وعند نجاح ثورة الفاتح، تمت ترقيته إلى رتبة نقيب وأصبح عضوا في مجلس قيادة الثورة.

الرائد الشهيد الخويلدي محمد الحميدي.. من مواليد صرمان عام 1943م، وتوفي 27 ناصر/ يوليو 2015م، وكان مقربا من القائد الشهيد، وأحد الأعضاء الذين قادوا ثورة الفاتح، وأصبح فيما بعد عضوا بمجلسها الاثنى عشر، وشغل منصب وزير الداخلية بعد نجاح الثورة، لكن بعد نكبة فبراير في 2011م، لجأ إلى تونس ومنها إلى مصر حتى وفاته ودفن هناك.

وكُلف في بداية حياته العسكرية بالعمل في إحدى الكتائب الملكية المتمركزة بمدينة درنة، ثم نقل إلى مدينة سبها وعين مساعد آمر كتيبة إدريس الأولى، والتي نقلت بعد ذلك إلى مدينة ترهونة لتتمركز هناك حتى ليلة الأول من الفاتح/ سبتمبر 1969م، وهي الليلة التي سيطر فيها على مبنى الإذاعة في طرابلس، وشغل مناصب عدة بعدها.

الشهيد أبوبكر جابر يونس.. من مواليد 1940م، واستشهد في 20 التمور/ أكتوبر 2011م إلى جانب رفيقه القائد الراحل معمر القذافي، وتولى أمانة اللجنة العامة المؤقتة للدفاع في ليبيا، حيث شغل هذا المنصب منذ العام 1970م حتى 2011م.

ولد الشهيد أبو بكر يونس في جالو، وينحدر من قبيلة المجابرة بوسط ليبيا، ودرس تعليمه الابتدائي في جالو، ثم انتقل إلى الأبيار، ودرس التعليم الإعدادي بدرنة ليحصل على الشهادة الإعدادية، والتحق بعد ذلك بالتعليم الثانوي دون أن يتمه؛ إذ التحق بالكلية الحربية ليصبح من أصدقاء القائد.

وبعد تخرجه في الكلية الحربية، عين ملازمًا ثان في قسم الصيانة بمعسكر الهضبة الخضراء، وأوفد في دورة تدريبية إلى إنجلترا عام 1968م، وفي العام التالي ارتقى إلى رتبة نقيب، ثم شارك في ثورة الفاتح، لتتم ترقيته في آي النار/ يناير 1970م إلى رتبة مقدم، ثم عين رئيسا لقيادة الأركان، وفي عام 1976م، رقي من جديد إلى رتبة عقيد، وأسندت إليه القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية.

وأشرف على اتفاقيات ثنائية مع بلدان اشتراكية سابقة بأوروبا الشرقية، وكان يتحرك آنذاك بوصفه القائد العام للقوات المسلحة الليبية، وكان يحظى بثقة القائد الشهيد معمر القذافي.

“كُنا نعلم أننا سُنغير مجرى الحياة في ليبيا”.. أحد أعضاء حركة الوحدويين الأحرار يكشف كواليس ليلة ثورة الفاتح

أما بقية أعضاء قيادة الثورة الليبية؛ فهم الرائد محمد نجم، والرائد عوض علي حمزة، والنقيب عمر المحيشي، والنقيب محمد أبو بكر المقريف، والرائد بشير الصغير هوادي، والرائد مختار عبد الله القروي، النقيب عبد المنعم الطاهر الهوني.

وفي عام 1977م، ألغى القائد الشهيد الجمهورية وأعلن قيام الجماهيرية، ونتيجة لذلك، تم إلغاء مجلس قيادة الثورة رسميا، وحل مكانه الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام.

علاقتها بمصر

كان القائد الشهيد وغالبية الليبيين متأثرين بثورة مصر ضد الملكية والاحتلال، لاسيما العسكريين منهم، وهو ما بدا جليا في تشكيل تنظيم يحمل اسم “الضباط الوحدويين الأحرار”، على غرار الضباط الأحرار في مصر.

ويروي رئيس إدارة الشؤون العربية في جهاز الاستخبارات المصري (آنذاك) فتحي الديب، في كتاب “عبد الناصر وثورة ليبيا”، أن القادة الليبيين تطلّعوا إلى دعم عبد الناصر، وتوجيهاته، وهو ما جرى بالفعل، حيث زار عبد الناصر مدينتي طرابلس وبنغازي، في أواخر الكانون/ ديسمبر 1969م، وكان الاحتفاء به من الليبيين هائلاً، حيث أعلن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر أن القائد الشهيد معمر القذافي هو أمين القومية العربية.

وذكر الديب في كتابه: “كان مطار بني غازي يعج بجماهير الشعب التي اكتسحت في طريقها كل ما أعد من طوابير الجنود التي حشدها أعضاء مجلس الثورة تفاديا لما حدث في مطار طرابلس، ولكن فشلت هذه الاحتياطات والإجراءات في إيقاف الموجات البشرية العاتية التي اخترقت الحواجز البشرية من الجنود لتحيط بطائرة الرئيس جمال”.

وخلال الزيارة، بحسب الديب، تم توقيع ميثاق طرابلس في الكانون/ ديسمبر 1969م، الذي يهدف إلى البدء في اتخاذ خطوات إيجابية كمرحلة أولى لتوحيد القوات المسلحة والاقتصاد والتعليم عن طريق الوحدة الكاملة، لكن لم يعاصر القائد الشهيد حُكم عبد الناصر إلا عاما واحدا؛ إذ توفي الزعيم الراحل عام 1970م، لكن تأثيره على الضباط الوحدويين استمر لبضعة سنوات، وهو ما ظهر جليًا في استلهام الإعلان الدستوري الليبي في أعقاب ثورتها من الدستور المصري، كما حاول القائد تطبيق النموذج الاشتراكي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق