وكالات

صحيفة تركيا الأن ، تحت عنوان ليبيا مسألة حيات وومات

هل يمكن لتركيا أن تحل مشاكلها لو انغلقت على ذاتها؟ بمعنى أدق، هل يمكن لها أن تحافظ على وجودها في الأناضول وتراقيا؟ بالنسبة للبعض الجواب هو نعم يجب ذلك. وبالنسبة فإن التركيز على المشاكل الداخلية، والحد من البطالة وضمان التوزيع العادل للموارد المتاحة، وتقديم نوعية حياة أفضل للمواطنين، بإمكانه جعل وجود تركيا مستمرًّا. هذه التعبيرات على الرغم من كونها لطيفة للغاية ومنطقية كذلك، فإنها بعيدة كل البعد عن عكس الحقيقة. لا يمكن الحفاظ على الاستقرار الداخلي وجعل الرفاهية مستدامة عبر الحفاظ على ما بين يديك فقط. بينما ترعى إحدى عينيك ما بيديك، فإن على العين الأخرى أن تراقب ما يحدق حولها من أخطار قريبة أو بعيدة. وخلافًا لذلك، معاذ الله، فإن الوطن والوجود الذي تراقبه بكلتا عينيك يمكن أن يضيعا منك بسهولة.
أريد أن أسوق الحديث مجددًا عن ليبيا كما اعتمدت ذلك في مقالاتي السابقة. وإنني أنظر إلى التعليقات والكتابات والخطوط التي يتم رسمها حول ذلك، نظرة حيرة. إنني أرى وكما هو الحال في العديد من القضايا، أن هذه القضية أيضًا قد تم خراجها من سياقها وجوهرها الأصلي، من خلال اختزالها في صراع ما بين الحزب الحاكم والمعارضة، أو أنها باتت أضحية لضجيج بعض المبتذلين الذين لا تعجبهم راحة أو استقرار.
لي هناك حاجة لعناء طويل في الغوص نحو التاريخ كي نرى الحقيقة، وليس من الضروري أيضًا أن تكون صاحب بصيرة وحكمة نظر ثاقب، كي تتعلم الدروس من التاريخ الحديث. بل يكفي لذلك، مجرد الحد الأدنى من الذكاء، والبصيرة العادية أو حتى مجرد غزيرة دفاعية بسيطة. إن مسألة ليبيا ليست قضية احتراز عادي أو طمع في سلطة أو بطولة فردية، بل إنها مسألة وجود في البحر الأبيض المتوسط وسياسة دولة. إنها مفتاح البقاء في المتوسط، والأمان على النفس من أي خطر من الشرق أو الغرب، ومفتاح حماية قبرص التركية، التي تعتبر قضية وطنية منذ نصف قرن خلا. ولهذا السبب، فإن الجغرافيا نفسها هي التي يجب أن تكون العين عليها باستمرار.
إن تركيا من حيث كونها أكبر جسر في العالم ما بين الشرق والغرب، حينما تتم محاولة حبسها ضمن سواحل أنطاليا، وانتزاع أهميتها الجيواستراتيجية من بين يديها وحبسها في الداخل؛ فإن مقابلة ذلك بصمت مطبق، وعرقلة الذين يغضبون لذلك، بل والأدهى والأمرّ هو دعم ذلك المشروع عبر الكلام والكتابات؛ لهو بلا شك، بأبسط المعاني حماقة، وأشدها خيانة.
إن الذين يخافون من القوى المتحدة فيما بينها ضد تركيا، ويتبنّون مقاربة الغرب للقضية، ويريدون أن يكون صوتًا ناطقًا لها، فمن الواجب تذكير أولئك المعذورين بإعادة قراءة التاريخ. هل سمعتم عن الاثنتي عشر جزيرة؟ هل قرأتم أم خسارة اثنتي عشر جزيرة كانت مع خسارة ليبيا؟ هل تعلمون أن مسألة تلك الجزيرة تعتبر من بين أقوى المسائل التي جعلت تركيا مكبّلة طيلة قرن كامل؟ حينما تقولون ما الذي سنفعله في ليبيا، هل تدركون أنكم بهذا تخليتم عن قبرص، وقضيتم على أحلام عطلاتكم في شواطئ البحر المتوسط التي تحبونها بشكل كبير؟.
إلى الذين يفتحون آذانهم صاغين لما يردده الغرب ويمليه: اسمحوا لي أن أذكّر مرة أخرى كيف ركبوا الصمت المطبق مقابل تحالفات اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل وحتى مصر، في البحر المتوسط. لو أن الماضي لم يشهد أخطاء شبيهة كهذه، لما كنا اليوم أمام تهديدات أو خطر من هذا النوع. وإذا واصلتم الوقوع في الأخطاء ذاتها اليوم، فإنكم ستتركون بعدكم إرثًا كبيرًا من التهديدات التي ستحيط بتركيا.
لو قرأتم قليلًا من التاريخ السياسي ستجدون كل هذا. انظروا إلى ألمانيا التي كانت ممثل الغرب المتمدن الأكثر قربًا لنا عام 1878؛ كيف فتحت الطريق لإيطاليا نحو ليبيا. انظروا كيف أن احتلال فرنسا لتونس عام 1881، وبريطانيا لمصر عام 1882 قد فتح الطريق أمام إيطاليا. وتمعنوا كيف كان ضمّ دولة النمسا-المجر القوية في ذلك التاريخ، للبوسنة والهرسك التي تمثل الأراضي العثمانية الغربية؛ قد سمح لإيطاليا لمد عينيها نحو الجنوب.
حين قراءة ذلك والتمعن فيه فكل شيء بعده يكون سهلًا بسيطًا. ستدركون أن احتلال إيطاليا لليبيا مستغلة ما كان يحدث من تطورات حولها، كان ضربة موجعة للدولة العثمانية، وستسمعون الصوت الذي سبق تلك الضربة؛ من الاثنتي عشر جزيرة (إيجة اليوم)، ومن البلقان. ولن يغيب عنكم وأنتم تقرؤون، أن السبب وراء انتهاز تلك الفرص لدرجة أنها باتت عادة؛ هو الغرق في النوم والجبن.
في الخلاصة، إن ليبيا ليست مجرد جغرافيا تقوم على أواصر عاطفية. وليست ايضًا أداة لمعالجة هجمات التاريخ النفسي. بل إنها محاصرة من الإرهاب بسبب الموارد التي تتمتع بها، وإن الحكومة الشرعية في ليبيا واقعة تحت التهديد، وهذا بمجموعه يمثل مسألة حياة وممات بالنسبة لتركيا. وبهذا الوعي ينبغي على مجلس البرلمان التركي، أن يسمح للقوات التركية كي تنطلق إلى ليبيا بهدف إحلال السلام.
https://www.turkeyalaan.net/2019/12/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%85%D8%A7%D8%AA/
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق